المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : للجزائري رضا مالك كتاب تقليد وثورة: الرهان الحقيقي


عبير
05-05-2013, 07:02 AM
رضا مالك ومسألة تحديد مفهوم الأصالة (http://www.alarab.co.uk/?p=33308)





http://www.alarab.co.uk/wp-content/uploads/2013/05/20130502_170351.jpg (http://www.alarab.co.uk/wp-content/uploads/2013/05/20130502_170351.jpg)
رضا مالك: الأصالة تعني أن نندمج في المختلف
أزراج عمر
من الكتب المثيرة للجدل والصادرة حديثا عن دار الفارابي ببيروت كتاب ” تقليد وثورة: الرهان الحقيقي ” للمثقف والسياسي الجزائري رضا مالك الذي يعتبر من الشخصيات المهمة في تاريخ حركة التحرر الجزائري في مرحلة الكفاح الوطني والذي تبوأ في فترة الاستقلال مناصب حساسة حيث عمل سفيرا في روسيا وأميركا وبريطانيا ووزيرا للإعلام والثقافة والخارجية ثم رئيسا للحكومة الجزائرية وهو الآن رئيس لحزب التحالف الوطني الجمهوري.
يحتوي كتاب ” تقليد وثورة : الرهان الحقيقي ” على سبعة فصول وهي: نداء الفكر وحول الأصالة والإصلاح الاسلامي وحدوده ومحمد إقبال أو الغواية الصوفية ومحمد عبده: إسلام التنوير واللاهوت والفكر المستقل وحرب في سبيل الاستقلال وثورة وسياسة التطوير وتطوير السياسة وتغريب وثورة وأخيرا الانخراط في العالمية أو الهلاك. فضلا عن ملحقين أحدهما عبارة عن تصريح وثانيهما نص لرسالة أرسلها إليه المفكر الفرنسي المعروف جاك بيرك. أستعرض هنا بواسطة التحليل قضية مركزية يوليها رضا مالك أهمية بالغة وهي القضية التي تشغل منذ سنوات الجزائر التي لا تزال تحاول ترميم شخصيتها الوطنية التي تعرضت للتحطيم على يد الاستعمار الفرنسي وأرجئ استعراض ومناقشة مضامين الفصول الأخرى المكونة لكتابه ” تقليد وثورة: الرهان الحقيقي” إلى مناسبة أخرى.
ملابسات المفاهيم
منذ البداية أعتقد بأن رضا مالك لم يبلور مفهوم الأصالة كما كان منتظرا منه أن يفعل، كما أنه لم يبرز المشكلات الحادة التي يعاني منها الواقع الجزائري جراء غياب تصورات فكرية وسياسية متطورة لقضية الأصالة في تعدديتها وتنوعها التركيبي ملابساتها التاريخية وذلك على ضوء التحولات السريعة التي يشهدها هذا الواقع في عصر العولمة وتداخل الثقافات وأحيانا تصادمها. أرصد الآن وجهة النظر التي يتقدم بها رضا مالك في مؤلفه، ففي البداية ينطلق رضا مالك في تعريف الأصالة قائلا بأنها ليست “إعجابا بالذات ولا تمثالا مغبرا ينبغي تقديسه على طريقة العجائز…” وإنما هي “قبل كلّ شيء خلق مستمر يتصل عنده الماضي بالمستقبل وينصهران في حاضر جياش”.
يرى رضا مالك بأن: “الأصالة في عصرنا هي أن يكون الإنسان ابن عصره إلى أبعد حد ممكن و أن يرفض أن يلعب لعبة الآلهة الميتة، وأن يتماهى مع الأنقاض المهملة”، ويعتقد بأن الأصالة لا “تمنح دفعة واحدة ولمرة واحدة” كما أنه “لا وجود لأصالة تامة ناجزة تتوافق ووضعنا كقفاز″، ويوضح فكرته أكثر مبرزا أن: “الأصالة لا تعني أن نستقر في المتماثل الذي يشكّل خصوصية الحضارات المتحجرة بل أن تندمج في المختلف”.
كما نرى فإن رضا مالك يكرر مجددا التعريفات والتحديدات المتداولة لمفهوم الأصالة ، وإلى جانب ذلك فإنه يكتفي بذكر الحالات التي تنعدم فيها الأصالة والحالات التي توجد فيها ونتيجة لهذا نجده يقدم في الغالب أنواع الأصالة دون تحديدها بالضبط. إنّه يتحدث مثلا عن الأصالة الانسلابية، وعن الأصالة والتحرر النصفي، وعن الصفة البروميثيوسية للأصالة، وفي الواقع فإنّ عدم تحديد مفهوم الأصالة ليس مقتصرا على رضا مالك بل إننا نجده عند الكثير من الدارسين والمفكرين العرب المعاصرين.
فالمفكر حسن حنفي مثلا يدور في جل مؤلفاته حول مفهوم الأصالة ولا يقول لنا ما هي ويتجلى هذا أيضا عند دارسين آخرين مثل عزيز العظمة، والدكتور محمد عابد الجابري وغيرهما كثير، وهنا ينبغي التمييز بين مفهوم “الأصلي” ومفهوم “الأصيل” أو “الأصالة”. في هذا السياق يقول “أندريه لالاند” في معجمه الفلسفي ما يلي للتمييز بين الأصلي وبين الأصالة: “إن تعبير Authentique المقترض من اللغة القضائية يتعلق بالمصدر لا بالمضمون: فالقول إن وثيقة صحيحة معناه أن مصدرها أكيد لا أنّ مضمونها صحيح، إلا أن الصدقية Authenticite تحدث شعورا بالاحترام يهيئ الإنسان لتقبل محتواه بلا دال” ، ويؤكد “لالاند” بأنه “يمكن للأصالة أن تكون الحدّ الذي ينحو الصدق نحوه عندما يكون مصحوبا بصدق الذات…”.
ولكي تتضح معالم مفهوم الأصالة أرى أنه يجب تقديم أمثلة ملموسة كقولنا بأن السود الأميركيين هم من “أصل” أفريقي تاريخيا ولكنهم الآن من حيث الثقافة واللغة، والانتماء الطبقي ليسوا كذلك كلية.
البعد الوطني محددا للهوية
ويمكن القول أيضا بأن أصالتهم الثقافية في الوقت الراهن هي المزيج الثقافي الذي تشكل لديهم بعد قرون من الانخراط في المجتمع الأميركي المتعدد الثقافات. إلى جانب ما تقدم فإنّ “رضا مالك” لم يبرز في كتابه هذا العناصر التي تبدو فيها الأصالة التي يتحدث عنها في الجزائر كما في مجالات المعمار وأسلوب الإنتاج الزراعي والاقتصادي والبنية السياسية ومظاهر السلوك والأشكال الأدبية والفنية وهلم جرا. إنّه لم يدرس مدى “صدقية” Authenticity نمط الإنتاج الرأسمالي المشوه المعمول به الآن في الجزائر وعلاقته بنمط الإنتاج الأفريقي الذي تأسس تاريخيا على الجماعية الأفريقية والذي تنتمي إلى أصله الجزائر، وهنا نتساءل: هل للمعمار المستورد من الغرب بشكل فج والمكرس في الجزائر أية علاقة بشكل العمارة النوميدية الأصلية القديمة المعبّر عن الأصل المعماري الوطني وعن صدقيته (أصالته)؟ أمّا الهوية التي يعتبرها رضا مالك عنصرا من عناصر الأصالة الوطنية فإنّه يحددها على الأساس الوطني وليس على الأساس الحضاري كعمق له امتدادات تاريخية. وبهذا الخصوص نجده يقول بأن المنظـــور “الوطني في عصرنا هو الإطار الذي يضمن للشعوب تحقيق وجودها بأفضل صيغة عقلانية”.
في هذا السياق نرى أنه إذا كان هذا البعد الوطني هو المحدد للهوية حسب رضا مالك فهل تعني البدايات الأولى لتخلي أوروبا عن الوطنية واستبدالها بأوروبا الموحدة يمثل تخليا عن الوجود وعن العقلانية”، ثمّ هل الهوية والعقلانية ثابتتان ولا تتغيران بفعل التاريخ وحركته؟. ما دام رضا مالك يدعو إلى الاندماج في المختلف فإن هذه الدعوة تفترض مسبقا التخلي عن التشبث بنمط العقلانية الثابتة واستبدالها بعقلانية تقبل بتجاور وتزامن وتعايش التنوعات والاختلافات وفي صدارتها الاختلافات الثقافية والإثنية واللغوية إلخ.
أليس نمط الدولة، المفروض فرضا على مجتمعاتنا والمشوّه من طرف حكامنا بعد الاستقلال، نمطا أوروبيا محضا وأنه من إنتاج الحداثة الأوروبية؟ لا شك أنه إذا اعترفنا بأننا لم نبتكر نحن نمط الدولة الحديثة المتميز والدال على شخصيتنا فإننا نستنتج إذن أن فكرة الدولة الحديثة وكذا شكل النظام الحزبي والأيديولوجيات كالليبرالية المستوردة والمطبقة ليست جميعا أصلية وخاصة إذا قسناها بمعيار خصوصيات ومضامين تاريخنا الحضاري القديم وبرامج حركات التحرر ضد الاستعمار الأجنبي التي تعرضت للتحريف في مرحلة الاستقلال؟