المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الري المباشر بمياه البحر تكنولوجيا مهمة لإنتاج الغذاء في الشرق الأوسط


المفتاح
03-01-2010, 07:36 PM
الري المباشر بمياه البحر
تكنولوجيا مهمة لإنتاج الغذاء في الشرق الأوسط
جيمس جي. رايلي - أحمد خضر
بيكيبورد : سلمان الأحمد
مقدمة:
بالرغم من أن ما يصل إلى الأرض من الإشعاع الكهرومغناطيسي المنبعث من الشمس لا يتعدى نصف جزء من كل بليون جزء، فإن هذه الكمية تساوي أكثر من 400 تريليون كيلووات ساعة سنوياً. وتغطي المياه 71% من سطح كوكبنا، وتحتوي المحيطات على 1320 مليون كيلو متر مربع ، ويحتوي القطبان المتجمدان على مقدار أكبر من المياه.
وتغطي الأراضي الصالحة للزراعة ملايين الكيلو مترات المربعة.
والأمر المؤسف أنه لم تتم الاستفادة دائماً من هذه الظروف على نحو فعال في الزراعة. فعلى سبيل المثال، لم تستفد الأساليب الزراعية الحالية الاستفادة الملائمة من الطاقة الشمسية. وفضلاً عن ذلك فإن 99% من إجمالي المياه على سطح كوكبنا محصورة في المحيطات والقطبين المتجمدين لتبقى غير مستغلة أو يتعذر الوصول إليها. كما أن 3% فقط من مساحة اليابسة هي التي يسمح مناخها بزراعة المحاصيل أما المساحة المتبقية فمناخها إما شديد الحرارة أو شديد البرودة، أو شديد الرطوبة أو شديد الجفاف.
وتعتبر النباتات الخضراء هي أكثر الكائنات تجميعاً وإستغلالاً للطاقة الشمسية من خلال كيمياء التمثيل الضوئي. وكلما ازدادت كمية ضوء الشمس ازداد نمو النبات. وإذا توافرت المياه والتربة المناسبة، يمكن للمناطق الصحراوية أن تصبح أكثر مناطق العالم إنتاجاً للمحاصيل، حيث تسطع الشمس بقوة لساعات طويلة يومياً.
وتحتاج الزراعة التقليدية إلى كميات ضخمة من المياه. ويسمح تكوين النبات بسهولة دخول ثاني أكسيد الكربون إلى الأوراق. وتتمثل النتيجة الحتمية لذلك في سهولة أكبر لدخول المياه نظراً للاختلاف في تدرج تركيز الغاز والسائل. فتفقد النباتات كمية من المياه تزيد على كمية ثاني أكسيد الكربون التي تحصل عليها. وينطبق هذا حتى على النباتات الصحراوية المقاومة للجفاف، التي تعد بحق أكثر النباتات إسرافا في استهلاكها للمياه. وقد تحور العديد من نباتات الصحاري الخامدة بحيث أصبحت قادرة على الحصول على ثاني أكسيد الكربون بسرعة عالية جداً عند هطول الأمطار أو عد توافر المياه، وهي تفقد المياه بالتالي بسرعة أكبر من النباتات الأخرى من أجل تمثيل الغاز.
والمفارقة أن الصحارى، التي يمكن أن تصبح أكثر الأراضي إنتاجاً للمحاصيل في حالة توافر المياه، تعاني وفقاً لتعريفها من ندرة المياه. لكن عندما تعبر الأنهار الكبرى الصحارى في طريقها إلى مصباتها في البحار تتبدى تلك الإمكانية المذهلة وأقرب مثال على ذلك وادي النيل وجنوب كاليفورنيا.
وقد كانت المناطق الساحلية الصحراوية عديمة الجدوى لآلاف السنين، حيث الأرض غير مأهولة وغير مستغلة، بينما هناك كميات لا حصر لها من المياه عند شواطئها. وتتوافر هنا، بكل معنى الكلمة، كافة العناصر المطلوبة لأكبر قدر من الإنتاجية: المياه والأراضي وضوء الشمس. كذلك كان حلم زراعة الصحارى بمياه البحر قديماً قدم الزراعة نفسها. وتكررت مراراً المحاولات الرامية إلى تحقيق هذا الحلم. ومع ذلك، تبين الخبرة الممتدة أن النباتات الغذائية تذبل وتموت عند درجة ملوحة تقل بكثير عن ملوحة مياه البحر. وهو أمر لا يدعو إلى الدهشة. فقد كانت النباتات الغذائية التي اكتشفها الإنسان وقام بزراعتها بعد ذلك نباتات مياه عذبة بسبب النماذج الجغرافية للتاريخ.
ولم يمنح العلم اهتماماً كافياً للنباتات البرية التي تحتمل المياه المالحة.. وهي نباتات لا تتعايش فقط مع مياه البحر بل وتتغذى عليها أيضاً ويطلق اسم النباتات الملية Halophytes على النباتات البرية التي تحتمل درجات ملوحة مختلفة. وكانت هذه النباتات قد نمت وتحورت في مناطق لا تتوافر فيها سوى المياه المالحة التي لا تصلح للنباتات التقليدية. واعتمدت بعض هذه النباتات في ريها على حركة المد والجزر. ولا تتعايش هذه النباتات مع المياه العذبة وتصيبها مياه الأمطار بالذبول. ويطلق اسم النباتات الملحية المحسنة Euhalophytes على النباتات التي تعيش على مياه البحر، بل وتحتاج إلى التركيز العالي لكلوريد الصوديوم فيها. أما الأملاح التي تضطر هذه النباتات إلى إدخالها من أجل الحصول على المياه فتخزن على انفراد في خلايا النبات حيث لا تتدخل في عملية التمثيل الضوئي. ومن أجل تقليل كمية الأملاح الداخلة. تقلل هذه النباتات من كمية المياه الداخلة أيضاً ، وهي تستفيد من المياه بفعالية شديدة وتحافظ عليها جيداً حتى أن احتياجاتها من المياه تقل عن نصف أو ثلث احتياجات النباتات الأخرى.
وقد تجاهل الفلاحون، باستثناءات قليلة، النباتات الملحية لأنها تنمو عادة في أماكن غير مأهولة. فالعديد من هذه النباتات ذو طعم مالح وقريب الشبه بالأعشاب الضارة، رغم أن المواشي ترعى على شجيرات النباتات الملحية في المناطق النائية في صحراء استراليا لأنه لا توجد هناك سوى أعشاب قليلة أخرى.
ومع ذلك، أثبتت النباتات الملحية، عند إجراء البحوث عليها، أنها تمتلك مميزات مذهلة. ومن بين هذه المميزات أنها ذات إنتاجية كبيرة ، وتحتوي على نسبة بروتين عالية وعلى زيوت نباتية عالية الجودة ويمكن أن تستخدم كأعلاف لا تحتاج دائماً إلى إزالة أملاحها، وعندما تحتاج لذلك فإن هذا يتم ببساطة ودون تكلفة كبيرة. وبالإضافة إلى ذلك، توجد طائفة كبيرة من النباتات الملحية ليست مفيدة كغذاء للإنسان أو الحيوان لكنها تتمتع بصفات جذابة كنباتات زينة تروى بماء البحر.
وقد أجرى مختبر بحوث البيئة في جامعة أريزونا العديد من البحوث حول هذه النباتات المجهولة طوال عقد كامل. وبدأ هذا المشروع في أثناء إجراء اختبارات للتوصل إلى وسيلة مفيدة للتخلص من مياه البحر المستخدمة بعد تخصيبها في مزارع تربية أسماك القريدس (الجمبري) البحرية. ونحن مقتنعون بضرورة ارتباط بل وتكافل الزراعة وتربية الأسماك البحرية.
وكان النجاح المبكر الذي تحقق مع عينات من نباتات ملحية جمعت عشوائياً من مساحة صغيرة في الصحراء المكسيكية قد أفضى إلى أربع سنوات من البعثات المشتركة إلى الصحارى الساحلية والداخلية في أنحاء متفرقة من كوكبنا، ونحن الآن نمتلك ما يعتقد أنه أكبر مجموعة من جينات النباتات الملحية في العالم، مع أكثر من ألف من النباتات المهجنة. ونقوم، في برنامج طويل الأمد، بعملية فرز لهذه النباتات على أساس فائدتها وقدرتها على تحمل الأملاح، وبدأنا أيضاً في تربية وزراعة بعض العينات المنتقاة الواعدة.
زراعة النباتات الملحية:
في أثناء التجارب التي أجريناها على عينات النباتات الملحية المنتقاة توصلنا إلى نبات متعدد الأغراض ذي بذور زيتية أطلقنا عليه اسم "إس. أو . إس -7" SOS-7 (نسبة إلى سبعة أعوام من الانتقاء المكثف للعينات). وهذا النبات سلالة محسنة من الساليكورنيا Salicornia (وسنشير إليه اختصاراً ، باسم سوس-7 وقد قمنا بزراعته لعدة سنوات في مزارع تجريبية في المكسيك (في منطقة خليج كينو في سونورا) وفي الإمارات العربية المتحدة (في إمارتي الشارقة وأبو ظبي). ويجري الآن تسويق هذا النبات من خلال شركة "هالوفيت إنتربرايزس" وكانت هذه الشركة قد تحملت مسؤولية تمويل معظم البحوث التجريبية.
ويصل عمر محصول نبات سوس-7 إلى سبعة شهور، ويروى بماء البحر ويحتاج أساساً إلى طرق حراثة وزراعة تقليدية. ويغل الهكتار المزروع منه عشرين طناً مترياً من المادة النباتية الجافة. وبالمقارنة مع نبات سوس-7، فإن نبات البرسيم (الفصفصة)، الذي يحتاج إلى كميات كبيرة من المياه العذبة، ينتج ما يتراوح بين 5و 20 طناً مترياص للهكتار.
وتمثل الحبوب الزيتية نسبة 10% من الحصول أي 2 طن من العشرين طناً. ولا تحتوي هذه البذور على أي أملاح. ويمكن تحويل 30% من البذور (0.6 طن) إلى زيت نباتي عالي الجودة يخصص للاستهلاك الآدمي. وتستخدم الكمية المتبقية من البذور بعد استخراج الزيت (1.4 طن) كعلف غني بالبروتين (43%) للماشية والدواجن.
أما الثمانية عشر طنا ًالباقية من المادة النباتية الأصلية فهي عبارة عن قش (تبن) يحتوي على سبعة أطنان أملاح. ويمكن التخلص من 65% من الأملاح بسهولة من خلال نقع بقايا النبات في مياه البحر نفسها، ويعقب ذلك عملية شطف قصيرة. وتغل هذه المعالجة أكثر من ثلاثة عشر طناً من التبن الذي يستخدم غذاء للماشية.
والأمر الفريد هنا هو إنتاج الزيوت النباتية من محصول يروى بماء البحر. ويتم استخلاص الزيوت من بذور النبات بالطرق التقليدية باستخدام طارد أو مذيب كيماوي، بطريقة تشبه استخلاص الزيوت من فول الصويا. وقد تولى مختبرنا إجراء التجارب المتعلقة بتحديد صفات وخصائص الزيت ثم أجريت تلك الاختبارات ثانية وعلى نحو منفصل في مختبرات شركة آرشر دانييلز ميدلاند، وهي أكبر شركة زراعية في الولايات المتحدة.
ويوصف زيت السوس-7 بأنه يماثل على الأقل زيت العصفر Safflower Oil . وهو غني بحامض الليونليك (حامض زيت الكتان)، الأمر الذي يعني أنه زيت غير مشبع، وهي صفة مطلوبة الآن ي كل الأنظمة الغذائية. وأثبتت التجارب الجامعية أنه يمكن أن يحل بسهولة محل زيت العصفر أو الزبد في كل وصفات الطهو، وظروف تخزينه تماثل ظروف تخزين زيت فول الصويا ويمكن هدرجته لإطالة فترة صلاحيته.
وعند مقارنته بالزيوت النباتية الأخرى، نجد أنه يتمتع بنسبة كلوروفيل عالية. ويكتسب شكل زيت الزيتون إذا عولج بعملية تبييض Bleaching واحدة في محطة التكرير. وقد تبدو تلك ميزة تسويقية مرغوباً فيها في بعض المناطق، رغم أنه يمكن إزالة اللون بأكمله بعملية تبييض جديدة.
وبالإضافة إلى ذلك، يمكن استخدام هذا النبات المروي بمياه البحر كمحصول لإنتاج العلف. فبعد الحصاد ، لا يتم فصل البذور الغنية بالزيوت.. كما هو الحال مع نبات الفصفصة، لكن يجري تجميع النبات بأكمله لتغذية الماشية. وفي المناطق الصحراوية التي تستورد كل ما تستخدمه من أعلاف، يعتبر السوس-7 فعلياً أكثر قيمة كغذاء للحيوان منه كمصدر للزيت النباتي.
ومنذ عام 1983، أجريت سلسلة من تجارب التغذية في الولايات المتحدة لتحديد فعالية السوس-7 كمحصول علفي. وشملت هذه التجارب المستمرة الثيران والماعز والأغنام. وقد وجد أن الثيران التي تمت تغذيتها بكميات متساوية من نبات الفصفصة (الاسم العربي للبرسيم الحجازي) والسوس-7 المنزوع الملوحة في وجبات منفصلة قد حققت زيادة متساوية في الوزن، مع ملاحظة أن التعميم في هذا المجال محفوف بالمخاطر. وحققت الماعز والأغنام تقدماً ممتازاً مع وجود نسب مئوية كبيرة من النباتات الملحية غير المغسولة في وجباتها. وفي التجارب التي تجرى حالياً في الإمارات العربية المتحدة، تتكون وجبات الأغنام من 100% من علف السوس-7 المغسول وغير المغسول. وهو ما يعني الاستغناء تماماً عن حشائش رودس Rhodes Grass التي تنمو على المياه العذبة وتستوردها حالياً معظم بلدان المنطقة.
ولا يختلف تصميم وتشغيل مزارع السوس-7 عن المزارع الأخرى، باستثناء ضرورة وجودها بالقرب من ساحل البحر، لتوفير مياه الري مباشرة من البحر أو من الآبار. وقد تتناسب أنواع أخرى من النباتات الملحية مع المناطق الداخلية ذات التربة المالحة أو التي لا يتوافر فيها سوى مياه جوفية مالحة.
ويحتاج السوس-7، مثله في ذلك مثل أي نبات آخر، على عدة متطلبات فهو نبات مناخ حار، ويحتاج بالتالي إلى درجة حرارة تزيد باستمرار على 21 درجة حرارة تزيد باستمرار على 21 درجة مئوية خلال الأيام المائة والعشرين الأخيرة من عمر النبات. وينبغي أن تكون درجة الحرارة المستخدمة عند الري أكثر من 18 درجة مئوية. ويجب أن تقترب كمية المياه التي يحتاجها المحصول من ضعف المعدل المحلي للبخر. ويروى المحصول يومياً بعد ظهور البذور وبمعدل أقل قبل هذا. ورغم أن مياه البحر والتربة تحتويان على معظم ما يحتاجه النبات من غذاء ، فإن استخدام المخصبات الإضافية، مثل مركبات النيتروجين والفوسفور، يؤدي إلى زيادة الغلة.
ولا تختلف طريقة إعداد الأرض للزراعة عن طريقة إعداد الأرض للري بالغمر. وقد يحتاج الأمر إلى نظام صرف في الحقل إذا كانت هناك طبقة معوقة بالقرب من سطح التربة. ولا تختلف العمالة المطلوبة عن العمالة العادية ولا تستخدم سوى الآلات والمعدات الزراعية العادية. وفي ضوء خبراتنا في المكسيك والشرق الأوسط فإنه يمكن زراعة المحصول باستخدام العمالة اليدوية والجر بالحيوانات في المناطق الأقل تطوراً.
ويمكن حساب العائد من المحصول بالمقارنة مع الأسعار السائدة في المنطقة المعنية. فتحسب قيمة الزيوت النباتية والبذور والجريش والتبن بالمقارنة مع تكاليف المنتجات المشابهة ، ويحسب سعر العلف الحيواني عادة على أساس قيمته الغذائية.
ولا ينبغي أن يؤدي استخدام مياه البحر في الري إلى تحويل سطح التربة إلى سطح مالح. فأملاح مياه البحر لا تتراكم على سطح الأرض، إذ تحمل كل رية الأملاح معها إلى أسفل. وتترشح الأملاح بعيداً عن منطقة نمو جذور النبات إذا كانت التربة عالية النفاذية ولا توجد طبقة عائقة. أما إذا كانت التربة قليلة النفاذية، فسيحتاج الحقل إلى قنوات صرف، حيث تجرف مياه الصرف الأملاح الزائدة معها.
ويجب أيضاً ألا يؤدي الري بمياه البحر إلى تلوث المياه الجوفية في المنطقة، وهنا ينبغي ألا تكون المياه الجوفية تحت الزراعات المروية بمياه البحر مالحة، وإلا تعين الابتعاد عن أي زراعة من هذا النوع. إذ لا يمكن أن ينصح أد بمحاولة استخدام مياه البحر لري أرض تعلو خزانات المياه الجوفية العذبة، لأن هذه التكنولوجيا تناسب السواحل الصحراوية التي لا تتوافر فيها مياه جوفية عذبة.
وباختصار، فإن تصميم مزارع النباتات الملحية وهيكلها وتشغيلها وغلتها وعائدها لا تختلف كثيراً عن مثيلاتها بالنسبة للمزارع التقليدية الجيدة الإدارة التي تنتج محصولاً علفياً يروى بالماء العذب في نفس المنطقة.
لكن الأمر المختلف هنا هو بالطبع الري بمياه البحر. فهذه المحاصيل تنتج ليس فقط الغذاء والعلف من أرض ومياه غير مستغلة وغير قابلة للاستغلال، لكنها توفر أيضاً كميات ضخمة من المياه العذبة، التي يمكن توفيرها لأغراض أخرى أكثر إفادة. ويتراوح طول السواحل الصحراوية غير المأهولة في العالم بين 20 ألفاً و 40 ألف كيلو متر. أما عرض، أو عمق الأراضي التي يمكن زراعتها بماء البحر(عند مستويات حدها الأقصى 150 متراً فوق سطح البحر) فقد يصل إلى عدة كيلو مترات على الأقل. لكن الأمر المؤكد هو أن مساحة الصحاري الساحلية التي يمكن زراعتها بالنباتات الملحية تقد بمئات الآلاف من الكيلو مترات المربعة، بملايين الهكتارات.
المواقع المحتملة لزراعة النباتات الملحية:
يتوقف ما يمكن القيم به فيما يتعلق بزراعة النباتات الملحية على العوامل المرتبطة بالموقع. وفيمايلي بعض الأمثلة: استوردت الهند في عام 1986 ما يقرب من ربع استهلاكها من الزيوت النباتية- أي 1.2 مليون طن سنوياً – بقيمة قدرها 400 مليون دولار. وفي نفس الوقت، زادت ملوحة مساحة قدرها 1.2 مليون هكتار من الأراضي الخصبة قرب خليج كوتش بحيث أصبح من الصعب زراعتها بسبب الإفراط في ضخ المياه الجوفية لتلبية حاجات الزراعة، الأمر الذي أفضى إلى تسرب مياه البحر إلى خزانات المياه الجوفية في المنطقة. وتحولت الآبار الآن إلى آبار مياه مالحة، وهو ما أدى إلى إفقار أكثر من مليون نسمة في 800 قرية.
ويمكن لمائتي مليون هكتار من نبات السوس-7، يزرع نصفها في هذه المنطقة المالحة، أن توفر كل الزيوت النباتية التي تستوردها الهند حالياً. وبالإضافة إلى ذلك ، سيتم توفير ضعف كمية الجريش وأكثر من 25 مليون طن من علف الماشية. وتتجاوز قيمة العلف قيمة الزيوت النباتية والجريش معاً.
وتستورد مصر نصف مليون طن من الزيوت النباتية سنوياً ولا تغطي المساحة المزروعة سوى 3% من مساحتها، ومعظم هذه المساحة محصور في دلتا وادي النيل الذي يشق صحراء مصر ويبلغ طوله ألف كيلو متر- وهو شريط من الأراضي الزراعية بالغ الضيق. ومع هذا، تحتفظ مصر بحدود ممتدة مع البحرين المتوسط والأحمر وخليج العقبة. ويبلغ طول هذه السواحل نحو 2140 كيلو مترا، أي أكثر من ضعف طول وادي النيل.
وإذا زرعت المناطق الساحلية المصرية بعمق أربعة كيلو مترات بنبات سوس-7 ورويت بمياه البحر، فإن هذه المساحة (856 ألف هكتار) ستزيد على مساحة وادي النيل بأكلمه. وسيغل هذا المحصول نصف مليون طن من الزيوت النباتية، الأمر الذي سيؤدي إلى الاستغناء عن الاستيراد. وسيوفر المحصول أيضاً مليون طن من الجريش (أي ضعف الكمية المستوردة حالياً)، بالإضافة إلى 11.4 ملوين طن من العلف- وهي كمية تكفي لتوفير 80 % من أعلاف كل الجاموس والماشية والأغنام والماعز والجمال في مصر.
وسيوفر هذا المحصول لمصر ما يقرب من 250 مليون دولار سنوياً من وارداتها بالعملية الصعبة. والأهم من هذا وذاك أنه مع تحول مصر إلى زراعة النباتات الملحية المنتجة للزيوت النباتية والأعلاف والتي توى بماء البحر، فإنها ستوفر تلك الأراضي المروية بالمياه العذبة والتي تزرع الآن بالبرسيم- وهي مساحة تصل إلى 700 ألف هكتار بحيث يمكن استخدام هذه الأراضي الخصبة في إنتاج الحبوب أو الخضراوات مثل الأرز أو القمح أو الطماطم.
ويمكن وضع تقديرات مماثلة بالنسبة للمناطق القاحلة والاستوائية التي تتوافر فيها المعايير الرئيسية الاقتصادية والطبيعية: ساحل البحر، ونقص المياه العذبة، ومناخ حار ، وسوق تحتاج إلى محاصيل البذور الزيتية والأعلاف ، وفرض الدعم المالي من الوكالات المحلية والدولية. وتبرز هنا بشكل خاص دول شمال أفريقيا والشرق الأوسط وشرق أوروبا ، رغم وجود صحارى ساحلية في أميركا اللاتينية أيضاً.
ومن الشهل إدراك حجم تأثير تطورات من هذا النوع على موارد المياه وعلى العلاقات الدولية المرتبطة بحصص الموارد المائية. ويزداد الإغراء لمد استنتاجاتنا إلى ما هو أبعد من هذا. فعلى سبيل المثال، هناك تصور بعيد عن العاطفة يفترض أن موارد أفضل للمياه قد تكون خيطاً آخر يمكن من خلاله البدء في مهمة حل تلك العقدة المعضلة- ألغاز الشرق الأوسط وانفعالاته المتأججة. وقد يرى خبراء شؤون المنطقة في هذا التصور تصوراً ساذجاً لا أمل فيه. فليست هناك تصورات بعيدة عن العواطف في الشرق الأوسط. كما أن تلك العقد مربوطة بأشياء مختلفة تماماً.
وسيقاوم كل علماء السياسة المحنكين تقريباً الإغراء باستنتاج المزيد. لكن من الناحية الأخرى، ماذا يمنع أن نسير وراء هذا الإغراء.

SALMAN
06-05-2010, 11:33 AM
موضوع هام جدا للبشرية في ظل الانحباس الحراري والتصحر المتزايد